ابراهيم الأبياري

276

الموسوعة القرآنية

وتقع الفاصلة عند الاستراحة بالخطاب لتحسين الكلام بها ، وهي الطريقة التي يباين القرآن بها سائر الكلام . وتسمى فواصل ، لأنه ينفصل عنده الكلامان ، وذلك أن آخر الآية فصل بينها وبين ما بعدها ، وآخذ من قوله تعالى : كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ ولا يجوز تسميتها قوافى إجماعا ، لأن اللَّه تعالى لما سلب عنه اسم الشعر وجب سلب القافية عنه أيضا ، لأنها منه وخاصة به في الاصطلاح ، وكما يمتنع استعمال القافية فيه يمتنع استعمال الشعر ، لأنها صفة لكتاب اللَّه تعالى فلا تتعداه . ولا تخرج فواصل القرآن عن أحد أربعة أشياء : التمكين ، والتصدير ، والتوشيح ، والإيغال . فالتمكين ، ويسمى ائتلاف القافية : أن يمهد الناثر للقرينة أو الشاعر للقافية تمهيدا تأتى به القافية أو القرينة متمكنة في مكانها مستقرّة في قرارها ، مطمئنة في مواضعها غير نافرة ولا قلقة ، متعلقا معناها بمعنى الكلام كله تعليقا تاما ، بحيث لو طرحت لاختلّ المعنى واضطرب الفهم ، وبحيث لو سكت عنها كمّله السامع بطبعه . ومن أمثلة ذلك : يا شُعَيْبُ أَ صَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ الآية ، فإنه لما تقدم في الآية ذكر العبادة وتلاه ذكر التصرف في الأموال اقتضى ذلك ذكر الحلم والرشد على الترتيب ، لأن الحلم يناسب العبادات والرشد يناسب الأموال . ومبنى الفواصل على الوقف ، ولهذا ساغ مقابلة المرفوع بالمجرور وبالعكس كقوله : إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ مع قوله : عَذابٌ واصِبٌ ، و شِهابٌ ثاقِبٌ وقوله : بِماءٍ مُنْهَمِرٍ مع قوله قَدْ قُدِرَ . وكثر في القرآن ختم الفواصل بحروف المدّ واللين وإلحاق النون ، وحكمته وجود التمكن من التطريب بذلك ، كما قال سيبويه : إنهم إذا ترنموا يلحقون الألف والياء والنون ، لأنهم أرادوا مدّ الصوت ، ويتركون ذلك إذا لم يترنموا ، وجاء في القرآن على أسهل موقف وأعذب مقطع . وحروف الفواصل إما متماثلة وإما متقاربة : فالأولى : مثل : وَالطُّورِ . وَكِتابٍ مَسْطُورٍ . فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ . وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ .